محمد متولي الشعراوي
1938
تفسير الشعراوى
به ثم يأتي بعد ذلك الأشد ؛ فيحب أن يحمد بما لم يفعل ، فذلك من تمام الحمق ، إنه جرم وذنب مركب من فعل آثم ، ففرح به ، فحب لحمد على شئ لم يفعله . أكان يجب أن يحمد بما فعل أو بما لم يفعل ؟ بما لم يفعل ، لأنه خلع على أمره غير الحق ، وإذا قال قائل : إنها نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن رسول اللّه فالقول محتمل ؛ لأن هؤلاء تخلفوا عن الحرب مع رسول اللّه وفرحوا بأن متاعب السفر ومتاعب الجهاد لم تنلهم ، وبعد ذلك اعتذروا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اعتذارات كاذبة ولو ندموا لكان خيرا لهم ، ولم يتضح للمسلمين كذبهم فحمدوا لهم ذلك الاعتذار ، إنهم قد أتوا الذنب ، وفرحوا بأنهم أتوه ، ونجوا من مغارم الحرب ، وبعد ذلك فرحوا أيضا بأنهم أحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، لأن اعتذارهم كان نفاقا ، سواء كان هذا أو ذاك فالآية على إطلاقها : للذين يفرحون بما أتوا من مناهضة الحق وذلك فعل ، والفرح به ذنب آخر ، والرغبة في الحمد عليه شئ ثالث ، إذن فالذنب مركب ، فهم يسترون الأمر ويبينون نقيضه كي نحمدهم ونشكرهم ، والحق سبحانه وتعالى يعطى لهذا دستورا إيمانيا لمطلق الحياة . « وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا » وهل المنعى عليهم أنهم يحبون أن يحمدوا ؟ أو المنعى عليهم والمأخوذون به أنهم يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ؟ إن المنعى عليهم أنهم يحبون » أن يحمدوا بما لم يفعلوا ؛ لأن الإنسان إن أحب أن يمدح بما فعل فلا مانع ، والقرآن حين يعالج نفسا بشرية خلقها اللّه بملكات ، فهو يعلم مطلوبات الملكات ، بعض الملكات قد تحتاج إلى شئ فلا يتجاوز اللّه هذا الشئ ، إنّ الإنسان مطبوع على حب الثناء من الغير ، لأن حب الثناء يثبت له وجودا ثانيا ، ووجودك الثاني هو أن تعبر عن نفسك بعملك الذي يكون مبعث الثناء عليك ، والناس لا تثنى على وجودك ، لكنها تثنى على فعلك . وما دام الإنسان يحب الثناء فسيغريه ذلك بأن يعمل ما يثنى به عليه ، وما دام يغرى بما يثنى عليه فسيعمل بإتقان أكثر ، وساعة يعمل فإن المحيط به ينتفع من عمله ، واللّه يريد إشاعة النفع فلا يمنع سبحانه حب الثناء كي يزيد في الطاقة الفاعلة للأشياء ؛ لأنه لو حرّم ذلك الثناء فلن يعمل إلا من كانت ملكاته سوية ، وسيفقد